ماذا فعل بي جورج قرداحي؟            من هي سيمون دي بوفوار؟؟؟؟            إمتنان قصيدة للشاعرة العراقية فيء ناصر             حياة محمد أركون بقلم إبنته سيلفي             مقولة اليوم لسيمون دي بوفوار : المرأة لا تولد إمرأة و إنّما تصبح كذلك       يمكننا شحن اللوحات أيضا إليكم : آخر لوحة وضعت على الموقع لوحة الرسامة اللبنانية سليمى زود             يقدم الموقع خدمات إعلامية منوعة : 0096171594738            نعتذر لبعض مراسلينا عن عدم نشر موادهم سريعا لكثرة المواد التي تصلنا، قريبا ستجد كل النصوص مكانا لها ..دمتم       نبحث عن مخرج و كاميرامان و مختص في المونتاج لإنجاز تحقيق تلفزيوني             فرجينيا وولف ترحب بكم...تغطية فيء ناصر من لندن             boutique famoh : أجمل اللوحات لرسامين من الجزائر و كل العالم             لوحات لتشكيليين جزائريين             المثقف العربي يعتبر الكاتبة الأنثى مادة دسمة للتحرش...موضوع يجب أن نتحدث فيه            famoh : men and women without Borders       famoh : femmes et hommes, sans frontieres       ***أطفئ سيجارتك و أنت تتجول في هذا الموقع            دليل فامو دليل المثقف للأماكن التي تناسب ميوله...مكتبات، ، قهاوي، مطاعم، مسارح...إلخ...إلخ           
سرديات عودة
مقطع من رواية "الذروة" (الجمعة 15 حزيران 2012)

أغلقت الباب دوني، هكذا...
أنت أيضا يحدث لك أن تغلق الباب دونك..  أعرف  !! .. يحدث أن تلملم زغب ذاتك المنفوش، مثل عصفور وقع من عش أمه، أعزل إلا من ألوان عيون القطط، ألوان جميلة للموت. كيف السبيل إلى العودة إلى عش أمه  وغلق الباب  دونه؟ أعرفك. أنت أيضا يحدث لك أن تغلق الباب دونك. تهرب بذاتك إلى ذاتك ، تفكها من مخالب الدنيا كما تفعل بمنديل حريرانسدل في غفلة منك فعلق بكومة شوك. تفك أطرافه بحذرولطف..هكذا.. بمنتهى اللطف. تسل أطراف ذاتك المتعبة من ملكوت الضجيج. تجذبها  إليك بكل ما أوتيت من صبر. تسحبها من ممرات الهواء والثقوب والشقوق ثم تغلق.                                                                     
 - أليس كذلك ؟ بلى!! تغلق الباب دونك.  تبدأ في لعق جروح ذاتك بيسر. تقشرها من بقايا قروح  قديمة ظلت عالقة بطبقات الروح منك . تركن إلى زاوية بكماء تصغي إلى أنينها، ثم تمسح دموعها بعد أن تجهش على صدرك مديدا. وبرفق تغوص بها في حوض ماء الزهر، ومثل أميرة تدعك أطرافها بالعطور وتسمعها أرق الأغاني و أعذب الكلام. تظل  تهدهد ذاتك  إلى أن تبتسم مثل شجرة عطشى يفاجئها المطر  فيتأوه تحت جذعها  التراب. تلفها في فوطة  دافئة، تحملها بين ذراعيك، تتأكد من انفراج اساريرها ومن هدأتها  قبل أن تفتح بابك من جديد لعجاج  المدينة الأهوج..
أن تغلق الباب دونك للحظات، فأنت تريد الاقتراب من حقيقتك في سريتها التي لن تفش بها لأحد آخرغيرك مهما دنا. أن تشاهد ضوءها الخافت عن قرب. أن تتعرف عليها عارية إلا منك  بعيوبها ومفاتنها.
- افتحي الباب يا أندلس افتحي الباب. !!
لم أكن أرد على أحد.. كنت في حوار جاد مع ذاتي، أجالسها وأصفي حساباتي معها كي لا أنتحر ،وتصفي حساباتها معي كي لا تجن، فلا نتخاصم ولا نتقاطع  إلا نادرا .
تعلمت هذا منذ سنين المراهقة، حين كنت أحاول أن  أفهم سر وشوشات أفراد العائلة، وهمساتهم، ولفتاتهم، وضحكاتهم الغريبة من عادة عمتي  "زهية ". لماذا تفتك زهية  اهتمام الكثيرين؟ لماذا ينظر إليها جميع من حولها بمزيج من ماء التقديس ودقيق الغيرة؟ ألجمالها وشبابها أم لأناقتها أم لأنها المترجمة الشخصية للزعيم و الموظفة السامية في قصره لسنوات!؟. جميع أفراد العائلة الموزعة في جغرافيا البلد أو خارجها يتناقلون بسرية تامة ونكهة مرح، أخبارها وسر احتفاظها بمنصبها ولياقتها وبابتسامتها، رغم تعاقب الحكومات وروائح أفواه الوزراء، واختلاف أحجام مؤخراتهم، وطبائعهم، التي يجرجرونها من دشورهم أو قراهم أو مدنهم الداخلية النائية .
 زهية متميزة. تعترف لها العائلة بذكائها وشخصيتها القوية. ميزتها الأكبر نهمها للقراءة وعشق القواميس. قواميس عتيقة مصفرة ترجع طباعتها إلى أواسط القرن الماضي، ذات رسوم توضيحية وتفسيرية دقيقة بكل الأحجام والألوان، وقواميس أخرى حديثة بادية الفخامة، قواميس ضخمة بأوراق رقيقة شفافة وأخرى صغيرة بحجم الكف. القواميس الأقزام، هكذا تسميها، زهية.
  كانت زهية تتعامل مع القواميس بمنتهى الرقة. بعد أن تنتهي من استعمالها، تضعها بعناية على الرف تم تنظر إليها بحنان فياض.
 لم تكن زهية تنضم إلى مجالس نساء العائلة عند الظهيرة أوفي المساء  لتثرثر كالأخريات، ولم تكن ترى خارج عملها إلا وفي يدها كتاب تقرأه بمنتهى اللهفة، وحين تنضم إلى مجلس المائدة سيكون في ركن ما قريب، كتاب مفتوح منكب على وجهه ينتظرها، تضع أحيانا كثيرة كعلامة على الصفحة المنتظرة، مشبكا من مشابك شعرها الذهبية أو الفضية. تسله من تسريحتها ليعضض على الصفحة المبتغاة ينتظرها ريثما تعود إليه. وأنا أراقب من يراقبها، أزداد إعجابا بشخصية عمتي  زهية  وأستحسن كل ما تقوم به. كنت في بدء مهب عاصفة المراهقة.
في غيابها أداعب قواميسها وأفتح كتبها العديدة. أورقها بين أصابعي، وأسمع موسيقى خشخشتها وكأنها تفضي لي بأسرار خارقة ليس يعلمها أحد سوى عمتي زهية. كم كنت على عجلة من أمري لأفك ألغازها، وأخترق حجبها، وأرفع أستارها، فبدأت أحاول قراءتها  جاهدة كي أدرك محتواها..
 في غياب زهية ألبس أحذيتها الجميلة الملونة ذات الكعب العالي، وأقلد مشيتها وحركاتها القلقة، فتنهرني جدتي لالة أندلس وتضحك عماتي ويبتسم عمي التاقي والباقون. عمتي زهية لطيفة الملامح، ضاحكتها. وجهها مريح وبشوش. عندما تنظر إلى وجهها تبدو لك الدنيا سائغة مثل حبة كرز، ومريحة مثل أريكة من سحاب، أو قل كأن العالم عصفورطليق جناحاه من قوس قزح، يدق على أبواب الصدور كل صباح، فتنشرح، وتتذكر أن الحياة فرصة وفسحة جميلة.
لست أدري كيف فرضت زهية حقها في عادة الاختلاء في الحمام ساعة كاملة قبل ذهابها إلى العمل. ساعة كاملة، لا أحد يتجرأ  أثناءها على الاقتراب من الحمام أو فتح بابه.
لذلك اضطرت العائلة إلى استحداث حمام ثان قرب الباب الخارجي.
تدخل زهية الحمام، تغلق الباب دونها. رويدا رويدا يتعالى صوتها ليس بالغناء كعادة الناس تحت الماء، ولكن بصراخ الغضب والشجار. تسب وتلعن بأعلى صوتها وتسمي أشخاصا بأسمائهم. علمت في ما بعد أنهم مسئولين مهمين في السلطة وتسيير أمور البلد، هؤلاء الذين ستلقاهم خلال يوم العمل الجديد هذا، أو تكون على موعد عمل معهم  في الساعات المقبلة.
حين  تدخل زهية قاعة الحمام، تحمل إضافة إلى حقيبة يدها بعض الملفات والصور، وأدوات أخرى تخفيها عن العيون. تغلق زهية الباب دونها بعد أن تدير المفتاح مرتين، بينما لا يظهر لنا أنا وفتحي ابن عمي من اختلائها غير ما يبديه  ثقب المفتاح.
في غفلة عن الكبار، كنت برفقة فتحي ابن عمي، نسترق النظر إليها من ثقب الباب. الحقيقة أن ثقب الباب لم يكن سخيا معنا ولكن ليس مهما، خيالنا الفتي الخصب، يكمل ما ينقص المشهد بما يرضي الفضول..
تلصق زهية صورة الواحد من شخصياتها على مرآة الحمام الكبيرة، تدخل معه في حوار عن أمر ما، عن مسألة تبدو جادة في البداية، ثم لا تلبث أن تكيل له السباب بأعلى صوتها، وتبصق عليه، وتهينه، وتأمره، وتنهاه، وتوبخه وتشزره، وتنهره، وتحذره من نطق كلمة:
- أسكت يا كلب، يبدو أنك صدقت أنك وزير.. كيف لك أن تكونه وأنت على ما أنت عليه من الغباء والشطط. أنت لست أكثر من ذبابة زرقاء، الأحسن لك أن تبيع بعر الماعز إذا وجدت من يشتريه، ذاك ما يليق بك تماما..  ياله من بلد ويا له من زمن أغبر بئيس أصبح فيه أمثالك مسؤولين على  مصالح الناس ! .. أغلق فمك لم أكمل كلامي ولم أسمح لك بالكلام . !
أما الزعيم صاحب الغلالة، فتناديه باسمه الخاص، وتسمعه ما لا يسمع بلغات مختلفة، العربية منها ولغات أخرى، ربما كانت الفرنسية أوالإسبانية أو الروسية أو الإنجليزية  أو الألمانية.
سمعتها ذات صباح تصرخ في وجهه:
-ألم تعلمك أمك الفطنة أيها الدب..؟ أكان علي أن أنبهك إلى غلق فتحة سروالك؟ هذه ليست مهمتي... مهمتي غلق فتحات مخك أيها  الأجرب.........  ثم تنشب أظافرها في الصورة وتمزقها إربا إربا.
حمامنا مأهول بالناس. ناس ليسوا كالناس. نتعرف كل يوم عليهم أكثر أنا وفتحي ابن عمي من خلف ثقب الباب، ونكاد نلمس وجوههم. نتأكد يوما بعد يوم أنهم أشرار وخطيرون وظلمة وسيئون بدون قلب ولا إحساس. هؤلاء أنفسهم الذين نشاهدهم بكل أبهة  على الشاشة، محاطين بالصحفيين والمصورين، أو وهم يمرون في الشوارع عائمة سياراتهم السوداء في صخب صفارات الإنذار والأضواء، وحولهم الحرس على دراجات نارية ضخمة، أوداخل سيارات خاصة قلقة من أمامهم ومن خلفهم.
كم يحلو لنا أنا وفتحي ابن عمي عادة متابعة نشرة الأخبار المسائية مع الكبار، لم يكن يعرف أهلنا لماذا كنا نتهامس ونعلق ونشير بسبابتينا إلى الشخوص على الشاشة، وكم يحدث أن نستلقي من الضحك ونحن نتابع معهم  تحركات ونشاطات الزعيم صاحب الغلالة، والسادة الوزراء والمسؤولين الكبار والحجاب ونسترجع معرفتنا السرية بهم وبأخبارهم الغريبة كأنما نحن نتفرج على رسوم متحركة أو فيلم هزلي. تنهرنا جدتي وتجبرنا على ترك الصالة، ليتسنى لهم متابعة نشرة الأخبار الرئيسية في هدوء وتركيز ..
نخرج على مضض ثم نعود إلى قفل الباب كي لا تفوتنا  تفاصيل النشرة المسائية..
 ككل صباح، تكور زهية  المناشف على حافة المغسلة، تجعلها على شكل رؤوس ووجوه أشخاص تشبه أحجام رؤوس الشخصيات المهمة، وألوان شعرهم. فمنها البيضاء المشتعلة شيبا، ومنها الصفراء بالصلع، ومنها السوداء والحمراء والرمادية. فتسمي أصحابها،  تصففهم الواحد جنب الآخر، وتوجه ضرباتها إلى عيونهم وأفواههم، فتسمل لهذا الوزير عينا، وتكسر لذاك المدير سنا، وتحطم لتلك المستشارة فكا، وتشتم رئيس الحكومة شخصيا، ثم تهشم رأس الصحفي الذي يجري تقريرا يسميه حساسا وبالغ الأهمية، يسميه تقرير العصر حول حرية الرأي المسترجعة في عهد  الحكم الراشد. تنهي  زهية رأس  الصحفي/ المنشفة تحت رجليها، تسحقها بلا رحمة:
- أانت أعمى أم أحمق؟؟ عن أية حرية تتحدث في هذا الحبس الكبير أيها الحمار؟؟؟
 تضع زهية  المناشف (الرؤوس) المهشمة في سلة الثياب الموسخة، تنفض يديها منها بل منهم، ثم تغتسل في هدوء. وبعد لحظات صمت تفتح الباب.
 تخرج زهية من الحمام صامتة، هادئة، مبتسمة كالعادة، بعد ساعة من المعاناة والمشاجرة. طبعا لم تعلم بوجودي وفتحي ابن عمي خلف الباب.. تلبس بذلتها الجميلة وحذاءها الملون بكعب عال، تمشط شعرها، وتضع زينتها وماكياجها المتقن، ثم عطرها المنتقى الفاخر فوق ابتسامتها الهادئة. ابتسامة وهدوء أذهلا الجميع حولها، وزاداها جاذبية غامضة وساحرة.
تقول عماتي:
- زهية "عندها الزهر يشقف الحجر ". !!
حظها وافر في كثرة الخطاب، وجميع خطاب ودها من الرجال المهمين في المجتمع..  عماتي منزعجات وقلقات جدا لخشيتهن من كثرة رفض زهية لخطابها، متخوفات من أن تضيع فرصا مهمة في حياتها ثم تصبح عانسا..
هل زهية عندها الزهر يشقف الحجر..؟
على أي حال لم يخطئوا في بيتنا حين أطلقوا على ذلك الصيف من تلك السنة "صيف زهية ". كان صيفا يشبهها. يأخذ عطر فاكهته من فاكهتها.
كيف يشبه فصل  الصيف امرأة؟ أو رجلا؟ كيف يشبههما معا؟
 .. نعم .. "صيف زهية" لا ينسى .. مازالت روائحه تختبئ في ثنايا ذاكرتي. صيف معطر. لأول مرة أعلم أن للشمس رائحة. رائحة تشبه عطر الخزامى،  أو.. قل رائحة القهوة  حين تخرج لتوها من الطاحونة. تتدفق رائحته إلى داخل زوايا البيت من النوافذ والشرفات والأبواب.
---------------------------------------------------------------------------------------------------
مقطع من رواية "الذروة" للشاعرة والروائية الجزائرية ربيعة جلطي، صدرت عن دار الآداب بلبنان 2010




التعليق بقلم نوارة الأحرش